الجين الأناني – ريتشارد دوكينز

الجين الأناني - ريتشارد دوكينز

 

“يتشارك قرد الشامبانزي والإنسان بقرابة 99.5% من تاريخهما الجيني، ومع ذلك يعتبر معظم المفكرين من البشر أن الشامبانزي ما هو إلا مسخ غريب بينما يعتبرون أنفسهم صورة الإله”.

هذه كانت كلمات دوكينز الأولى في مقدمته للإصدار الأول من كتابه “الجين الأناني”، وبهذه الكلمات يأخذنا الكاتب عبر رحلة مثيرة تبدأ من “الحساء الأولي” قبل أربعة مليارات سنة قائلاً “في البدء كانت البساطة”، مروراً بالكثير من الأمثلة المذهلة عن تكيفات الكائنات الحية عبر العصور، يعرض فيها صوراً من ممالك الطبيعة تتنوع بأشكالها حتى يكاد العقل أن يتوقف من روعتها، ثم ينتهي بالتحدث عن فكرة تناظر فكرة الجينات في علم الأحياء، وهي فكرة الميمات في علم الاجتماع.

يبدأ الكاتب بتعريف الجين، إذ مع وضوح هذه الكلمة في أذهاننا كمبدأ، إلا أننا لا نستطيع الإمساك بها بأيدينا (أو بادواتنا). فنحن نعلم أن الجين يُحمل على الصبغيات، ولكن كم جيناً يحمل الصبغي الواحد؟ عشرة؟ مئة؟ ألف؟ هنا تظهر الصعوبة في دراسة الجينات والتعامل معها كـ”واحدة”، ولكنه يطرح تعريفاً يجعلها قابلة للتداول والدراسة، بل ويعطيها طابعاً واعياً ليسمح لنفسه بذلك أن يطبق تعابير كـ”أناني” و”قادر” و”متحكم” عليها.

يعتبر الكاتب في كتابه هذا أن الجين هو محور التطور ومركزه، ويعرض العديد من الدلائل لينفي أن المتعضية أو الجماعة هي مركز التطور. وبهذا يكون الجين هو المصدر الحقيقي لتصرفات الكائنات الحية، وتنعكس محاولاته في الحفاظ على نفسه على تصرفات الكائنات الحية التي تحمله، وبهذا يمكن تفسير الإيثار بين المتعضيات ذوي القرابة بأنها محاولة من الجينات للحفاظ على نفسها، أو على ما يشابهها بأكير قدر ممكن. ولكن الفكرة ليست بهذه البساطة، فالقرابة بين الأخين التوأم هي حالة تطابق، بينما هي بين الإبن وأمه حالة نصف الجينات فقط، ولكن الإيثار في الحالة الثانية أوضح منه في الأولى، وهنا يدخل دوكينز في تفسير أعمق يتعلق بمحاولة من الجينات للحصول على أفضل النتائج بإدخال عوامل أخرى غير نسبة الجينات المشتركة بين المتعضيات.

ولكن الكاتب لم يقصد أن يقول إن الجين يملك “إرادة” بالمعنى الذي نعرفه نحن، ولكنه يستخدم الاستعارة لوصفهم وكأنهم يملكون تلك “الإرادة”. والقصد أن الجينات التي تستمر في النوع هي تلك التي تخدم ذاتها، وبذلك يحصل التطور على مستوى الجين لا على مستوى المتعضية أو الجماعة، وهما مدرستان يرفضهما دوكينز تماماً.

ومن هنا تبرز الفكرة الأساسية في كتاب دوكينز وفي المدرسة التي ينتمي لها، وهي أن المتعضية ما هي إلا وسيلة لحمل الجينات والحفاظ عليها، وإن التكيّف الذي تبديه المتعضية للظروف والتغيرات ما هو إلا محاولة من الجينات للحفاظ على العربة التي تنقلها إلى الجيل القادم.

وهنا تبدأ المعضلة الأخلاقية التي يتصورها منتقدو الكتاب بالتوضح أكثر، إذ يمكن للعربة/المتعضية، وبعد أن تكسب وعياً وإدراكاً كاملين لوجودها، أن تتصرف بما يناسبها لا ما يناسب الجين، كأن يمارس الإنسان الحد من النسل مما قد يبدو وكأنه منع للجينات من أن تستمر، ولكن هذا في الحقيقة يزيد من فرصتها في البقاء حيث يساعد الحد من النسل على الحفاظ على النوع بتركيز الوالدين طاقتهما على طفلين أو ثلاثة بدل تشتيها على أكثر من ذلك.

هذا هو أسلوب دوكينز حقيقة في طرح أفكاره والإقناع بها. فبعد أن تظن أنه يخالف فكرته فيأخذ دور محامي الشيطان، يعود ليضحد كل تلك الحجج وليقدم حججه الدامغة دليلاً على صحة أقواله.

وبعد استعراض العديد والعديد من الأدلة التي تدعم نظرية المدرسة التطورية التي ينتمي لها دوكينز والتي ترى في الجين مركز التطور، وتصنف الجين على أنه جهة أنانية تسعى للحفاظ على نفسها بدون أي ضوابط، ينتقل إلى الحديث عن تجربة على مستوى المتعضيات/الأفراد يتحدث فيها عن الإيثار وعن الخير وعن حقيقة نفعهما لاستمرار النوع، وتتعقد التجربة بتعقد معطياتها ليصل في النهاية إلى الخلاصة. فيعلق دوكينز عليها قائلاً “لنحاول أن نعلم الكرم والإيثار لأبنائنا لكوننا ولدنا أنايين. لنحاول فهم مآرب جيناتنا الأنانية، لأننا عندها قد نستطيع أن نعاكس غايتهم. هذا أمر لم يحلم أي نوع من الكائنات الحية به”.

وفي نهاية الكتاب يسبك دوكينز تعبيراً جديدا يدعوه “الميم” meme كواحدة للتطور الثقافي، وينظر بأن الميم كالجين ينسخ نفسه بأنانية، ويستخدم عقولنا كمركبات فيبدأ بالانتشار ليصل لغايته في الاستقرار. ويختم بأن يقول إن “ميم الإيمان الأعمى يؤمن استمراره باستخدام الميزة المبطنة البسيطة والتي هي تثبيط الأسئلة المنطقية”.

يقول دوكينز عن كتابه إنه عندما قام بكتابته كان يفكر في الجميع، بالعلماء متوخياً الدقة العلمية، وبالدارسين متوخياً المنهجية والمرجعية، وبالعموم متوخياً البساطة والوضوح. فلا تقلق عزيزي القارئ، إذ مهما تكن أهدافك من قراءة هذا الكتاب ستستطيع الاستمتاع به بقدر ما ستقبل بنهم على محتواه.*

  • روابط التحميل:

Google Drive

Dropbox

4shared

MediaFire

Mega

صفحة الكتاب على Goodreads

  • إقتباسات من الكتاب:

” تبلغ الكائنات العاقلة في أي كوكب سن الرشد عندما تنجح في اكتشاف علة وجودها”

 

* مع الشكر الجزيل لموقع الباحثون السوريون.