مهزلة العقل البشري – علي الوردي

مهزلة العقل البشري علي الوردي

بقول الدكتور علي الوردي في مقدمة كتابه “أُهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. أما أُولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوا بأخيه “وعَّاظ السلاطين” من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين…. لقد آن لهم أن يعلموا أن زمن الصراخ قد ولَّى، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق.”

كتب الدكتور علي الوردي هذا الكتاب فصولاً متفرقة في أوقات شتى وذلك بعد صدور كتابه “وعّاظ السلاطين” وهذه الفصول ليست في موضوع واحد، وقد أؤلف بينها أنها كتبت تحت تأثير الضجة التي قامت حول كتابه المذكور، وقد ترضي قوماً، وتغضب آخرين. ينطلق الدكتور الوردي في مقالاته من مبدأ يقول بأن المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور، فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال إلى حال، ولا رادّ لتطوره، وهو يقول بأنه أصبح من الواجب على الواعظين أن يدرسوا نواميس هذا التطور قبل أن يمطروا الناس بوابل مواعظهم الرنانة.
وهو بالتالي لا يري بكتابه هذا تمجيد الحضارة الغربية أو أن يدعو إليها، إنما قصده القول: أنه لا بد مما ليس منه بد، فالمفاهيم الحديثة التي تأتي بها الحضارة الغربية آتية لا ريب فيها، ويقول بأنه آن الأوان فهم الحقيقة قبل فوات الأوان، إذ أن العالم الإسلامي يمد القوم بمرحلة انتقال قاسية، يعاني منها آلاماً تشبه آلام المخاض، فمنذ نصف قرن تقريباً كان العالم يعيش في القرون الوسطى، ثم جاءت الحضارة الجديدة فجأة فأخذت تجرف أمامها معظم المألوف، لذا ففي كل بيت من بيوت المسلمين عراكاً وجدالاً بين الجيل القديم والجيل الجديد، ذلك ينظر في الحياة بمنظار القرن العاشر، وهذا يريد أن ينظر إليها بمنظار القرن العشرين ويضيف قائلاً بأنه كان ينتظر من المفكرين من رجال الدين وغيرهم، أن يساعدوا قومهم من أزمة المخاض هذه، لكنهم كانوا على العكس من ذلك يحاولون أن يقفوا في طريق الإصلاح، على ضوء ذلك يمكن القول بأن الكتابة هو محاولة لسن قراءة جديدة في مجتمع إسلامي يعيش، كما يرى الباحث، بعقلية الماضين عصر التطور الذي يتطلب رؤيا ومفاهيم دينية تتماشى وذلك الواقع المُعاش.

  • روابط التحميل:

Google Drive

Dropbox

4shared

MediaFire

Mega

صفحة الكتاب على Goodreads

  • إقتباسات من الكتاب:

“إننا لا ننكر ما للسفور من مساويء ولكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بمساويء الحجاب أيضا. فليس في هذه الدنيا ظاهرة اجتماعية تخلو محاسن أو مساويء. ولعل هذا القول لا يريد أن يفهمه أرباب المنطق القديم.”

“إن الإتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً.”

“إن التجديد في الأفكار هو الذي يخشاه مشايخ الدين لا الأفكار ذاتها. فهم لا يخشون كروية الأرض بقدر ما يخشون الجدل الذي تثيره هذه الفكرة في عقول الناشئين.”

“إن الذين يمارسون المنطق القديم في هذا العصر يشبهون أولئك الأبطال، من طراز عنترة العبسي، الذين يهجمون بالسيف على جندي حديث يحمل بيده رشاشاً سريع الطلقات. فهم مهما تفننوا في إبداء ضروب البسالة والشجاعة فإن الرشاش يحصدهم في أرجح الظن، حيث لا ينفعهم آنذاك بسالة ولا حماسة.”

“المتدين المؤمن بعقيدة من العقائد لا يستطيع، مهما حاول، أن يتجرد من عاطفته المذهبية وقد يظن المؤمن أنه متجرد من العاطفة، ولكن ذلك من قبيل الأوهام التي لا أساس لها من الحقيقة.”

“يذهب بعض المفكرين إلى القول بوجوب حجر المرأة في البيت وتشديد الحجاب عليها وذلك بحجة أنها ذات عقل ناقص لا تستطيع به أن تحمي نفسها من نزوات العاطفة، نسوا أن عقلها لم ينقص إلا من جراء الحجاب. فهم سببوا ضيق عقلها بالحجاب، ثم أرادوا حجابها بدعوى ضيق عقلها. خلقوا السبب بالأمس ويريدون اليوم أن يتخذوا نتيجة هذا السبب حجة له.”

“لا يكفي في الفكرة أن تكون رائعة وجميلة بحد ذاتها. إنها يجب أن تكون عملية قبل كل شيء.”

“يعتقد إبن رشد أن الفلاسفة إذا إختلفوا في شيء ردوه حالاً إلى دليل العقل وحجة المنطق فتفاهموا وخضعوا للرأي الذي يرونه معقولاً. على زعم إبن رشد، يستنيرون بنور العقل والمنطق. وليس هنا سخافة أبشع من هذه التي يقول بها إبن رشد وأمثاله من المفكرين الطوبائيين.”

“عيب إخواننا الطوبائيين أنهم يصعدون بمثلهم العليا فوق السحاب، ولا ينزلون بها قريباً من الأرض التي يعيشون عليها. ولذا فمثلهم العليا لا تُجدي في تحفيز المجتمع نحو الحركة.”

“لقد أخطأ أرسطوطاليس عندما قال: “الإنسان مدني بالطبع”. والصحيح أن الإنسان وحشي بالطبع ومدني بالتطبع.”

“من مهازل القدر أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، هذا بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة حتى في بحوثهم الإجتماعية والفكرية الخالصة.”

“لقد فطنت الشعوب في القرون الحديثة إلى خطأ هذه النظرية الأفلاطونية في مفهوم العدل، وأخذت تميل قليلاً أوكثيراً نحو النظرية السوفسطائية فيه. وبهذا صار مفهوم العدل هو ما ترتأيه أكثرية الناس. فالناس أعرف بحاجاتهم ومشكلاتهم من ذلك المتحذلق الأفلاطوني الذي يتأمل في أمر العدل وهو قابع في برجه العاجي.”

“الواقع أن السفسطة كانت فلسفة ذات أهمية إجتماعية لا يُستهان بها. ومن سوء حظها وحظ البشرية، أنها غُلبت أو قُتلت في مهدها، فأصبحت محتقرة. والمغلوب محتقر دائماً. ولذا أخذ المفكرون ينسبون إليها كل نقيصة، ويجردونها من المحاسن.”

“يبدو أن أفلاطون كان فيثاغورثياً أكثر مما كان سقراطياً. وهو إنما حرف مباديء سقراط لكي يجعلها ملائمة للمباديء التي كان المذهب الفيثاغورثي يدعو إليها.”

“حاول الأفلاطونيون أن يقيسوا البشر بمقياس الأرقام. ونسوا أن المجتمع البشري بحر مواج تتلاطم فيه شتى النزعات والميول، وأن دراسته تستلزم منهجاً خاصاً به يختلف عن منهج الحساب والجمع والطرح إختلافاً أساسياً.”

“من مهازل العقل البشري أن وجدنا العامة في بلاد الإغريق يكرهون منطق السفسطة كما كرهها أفلاطون. ومشلكة العامة في معظم الأحيان أنهم يندفعون مع المترفين فيما يناقض مصلحتهم. وهم كما وصفهم الإمام علي: “ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح”.”

“كان التنازع في عهد عثمان يدور حول مباديء العدالة والمساواة. ولكن معاوية قلبه بعد ذلك  فجعله يدور حول علي وعمر: أيهما أفضل؟ وبهذا نسي الناس كفاح علي ضد معاوية وانشغلوا بالفضائل الشخصية، وكل فريق يأتي لصاحبه من الفضائل ما يكسف بها فضيلة زميله.”

  • اقتباسات طويلة:

▬ يحاول بعض المتحذلقين من رجال الدين إدعاء التجديد فيما يكتبون ويخطبون. وتراهم لذلك يحفظون بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة يتلقفونها من المجلات والجرائد المحلية، ثم يكررونها في كلامهم اذ يحسبون أنهم بهذا قد صاروا “مجددين”. ويحلو للبعض أن يقال عنه أنه جمع بين القديم والحديث، ثم يرفع أنفه مغروراً بهذا العلم العجيب الذي وعاه في صدره. ومثله في هذا كمثل ذلك القروي الساذج الذي أراد أن “يتمدن” في كلامه، فضيع المشيتين مع الأسف الشديد. ينبغي أن يفهم هؤلاء أن التجديد في الفكر لا يُعني التمشدق بالمصطلحات الحديثة. انه بالأحرى تغيير عام في المقاييس الذهنية التي يجري عليها المرء في تفكيره. صــ9

▬ عندما احتك المسلمون بالحضارة الغربية إنجرفوا بتيارها، وصاروا مجبرين على اقتباس ما جاءت به حسناً كان أم سيئاً. ومن غرائب ما ارتآه الواعظين في هذا الأمر أن قالوا: خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه. كأن المسألة أصبحت انتقاءً طوع الارادة كمن يشتري البطيخ. إن الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس في الإمكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء. ومعنى هذا أنها تيار جارف لا يمكن الوقوف في وجهه. صــ16

▬ لقد جاءت المدنية للإنسان بخير عظيم ولكنها جاءت له أيضاً بشر أعظم منه، فهي قد أطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء وهي مع ذلك قد سارت بالفكر في طريق القلق والإلتياث والعصيان. إنها قد أطمعت البشر من معرفة الخير والشر، على حد تعبير التوراة. وهي بذلك قد أذاقتهم من ويلات الخير والشر قسطاً كبيراً. لقد كان البشر قبل المدنية لا يفكرون وكانوا أيضاً لا يقلقون، وقد يصح أن نقول: أن التفكير والقلق صنوان لا يفترقان. صــ30

▬ كنت ذات يوم في مجلس ضم جماعة من رجال الدين. وقد أجمع هؤلاء الرجال أثناء الحديث على أن سكان الأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، فإذا وجدوه اعتنقوه حالاً. فكل إنسان في نظر هؤلاء مجبور أن يترك أعماله ويذهب سائحاً في الأرض ليبحث عن دين الحق. قلت لهم: “لماذا لم تسيحوا أنتم في الأرض للسعي وراء الحق؟”. قالوا وهم مندهشون لهذا السؤال السخيف: “إننا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا!”. صــ45

▬ كتب ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي المعروف، قصية فلسفية بعنوان “حي ابن يقظان”. وكان يقصد من كتابة هذه القصة أن يشرح للقاري طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو. وقد تخيل ابن طفيل فيها انساناً وُلد وترعرع في جزيرة منعزلة، حيث أرضعته ظبية، وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حتى بلغ مبلغ الرجال. يقول ابن طفيل: ان عقل هذا الإنسان أخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة. واستطاع أن يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد إلى كثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل. يريد ابن طفيل بهذا أن يبين للقاريء أن العقل البشري جهاز فطري وأنه ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة به إلى التدريس والتلقين. ويبدو أن ابن طفيل يرى بأن العقل البشري حين ينمو بعيداً عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيراً وأصح إستنتاجاً. وهو بذلك يحبذ للمفكرين أن يبتعدوا في تأملاتهم عن الناس ويتسامون عن عنجهياتهم. إنه بعبارة أخرى، يدعو المفكرين إلى الصعود إلى البرج العاجي. ولا ريب أن هذا الرأي هو رأي الفلاسفة القدماء جميعاً، فابن طفل إذن لم يأت بشيء جديد. وليس له من الفضل في هذا إلا ابتداعه لقصه شيقة حيث عرض فيها ذلك الرأي القديم في قالب جديد. وقد لاقت قصة “حي ابن يقظان” هذه رواجاً عظيماً بين المفكرين وتُرجمت إلى كثير من اللغات، وحاول تقليدها والإقتباس منها فلاسفة وكتاب من مذاهب شتى. والغريب أن كثيراً من كتابنا ومفكرينا لا يزالون حتى يومنا هذا متأثرين بهذه القصة ويعتبرونها الكلمة الأخيرة في قضية العقل البشري. إنهم لا يزالون يؤمنون بأن العقل موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء أعاش الإنسان في مجتمع أم عاش منذ ولادته وحيداً منعزلاً. أما الأبحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الرأي. حيث ثبت اليوم أن العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع، وهو لا ينمو أو ينضج إلا في زحمة الاتصال الاجتماعي. فإذا ولد الإنسان وترعرع بين الحيوانات فإنه يمسى حيواناً مثلهم. وما قصة “حي ابن يقظان” التي إبتدعها خيال فيلسوفنا الرائع إلا وهم أو خرافة لا وجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه. صــ132 : 133

▬ كنت أتحدث مع أحد الأمريكيين حول هذا النزاع الرقيع. فسألني الأمريكي عن علي وعمر: “هل هما يتنافسان الآن على رئاسة الحكومة عندكم كما تنافس ترومن وديوي عندنا” فقلت له: “إن عليا وعمر كانا يعيشان في الحجاز قبل ألف وثلاث مئة سنة. وهذا النزاع الحالي يدور حول أيهما أحق بالخلافة!”. فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد يستلقي على قفاه. وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء. وشر البلية ما يضحك!. والغريب أني نقلت هذه القصة إلى أحد رجال الدين عندنا فقال لائماً: “ولماذا تفضحنا أمام الأجانب؟!”. إنه يرتكب الفضيحة ولا يُبالي ثم يتألم حين يسمع بها الأجانب. والأغرب من هذا أن يُعلق الرجل على هذه القصة فيقول: “إن الأجانب عندهم من الفضائح أكثر مما عندنا”. وعذره هذا أبشع من ذنبه. صــ247

 

مع الشكر لمدونة شذرات من كتاب.